بقلم: علي حيدري
شهدت عدة مناطق في إيران، ولا سيما إقليم الأهواز، موجة واسعة من الاعتقالات بعد الحرب التي استمرت اثني عشر يومًا بين إيران وإسرائيل، والتي انتهت بهدنة هشّة.
تشير تقارير صادرة عن منظمات حقوقية، من بينها “منظمة كارون”، إلى تصاعد غير مسبوق في الحملة الأمنية التي ينتهجها النظام الإيراني بهدف التغطية على أزماته الداخلية والخارجية. وتستعرض هذه الورقة أبعاد هذه الاعتقالات وتداعياتها المتعددة.
- تزامن الضغوط الخارجية مع الاحتجاجات الداخلية
انتهت الحرب القصيرة بخسارة أمنية وعسكرية لإيران، ما كشف هشاشة النظام وزاد من قلقه من احتمال تزامن الضغوط الخارجية مع تصاعد السخط الشعبي. ووفقًا لتصريحات رئيس السلطة القضائية الإيرانية، غلامحسين محسني أژهای، فقد تم اعتقال أكثر من ألفي شخص في مختلف أنحاء البلاد، وكان نصيب الأهواز منها الأكبر، ما يعكس خوف النظام المزمن من اندلاع انتفاضات شعبية في المناطق ذات الغالبية غير الفارسية، خصوصًا في إقليم عربستان. - الفشل الحكومي وتصاعد القبضة الأمنية
تعيش إيران أزمة حادة بسبب سوء الإدارة والفساد الممنهجين، ما أفقد النظام قدرته على توفير الخدمات الأساسية. ويُعد مشروع قصب السكر، الذي أدى إلى مصادرة أراضي الأهوازيين وتدمير البيئة المحلية، نموذجًا بارزًا على هذا الفشل. وفي ظل هذه الأزمات، يلجأ النظام إلى القمع والاعتقال بدلاً من الاستجابة لمطالب الشعب. - صناعة إنجازات أمنية وهمية
سعيًا للتغطية على الهزيمة العسكرية، كثف النظام جهوده في صناعة إنجازات أمنية وهمية. ففي الأهواز، وُجهت إلى عدد من المعتقلين تهمٌ باطلة من قبيل “التجسس لصالح الموساد”، و”التعاون مع جهاز المخابرات البريطانية (MI6)”، و”الدعاية ضد النظام”، غالبًا دون أدلة موثوقة، وفي محاكمات تفتقر إلى أبسط معايير العدالة. - محاكمات صورية واعترافات قسرية
تشير تقارير حقوقية إلى أن غالبية المحاكمات جرت بسرعة مفرطة، دون تمكين المتهمين من الدفاع عن أنفسهم أو تعيين محامين مستقلين. وكثيرًا ما تُنتزع الاعترافات تحت التعذيب، لتُستخدم كدليل وحيد في الإدانة، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية الخاصة بالمحاكمة العادلة. - الاحتجاز في العزل والتعتيم الإعلامي
لإخفاء هوية المعتقلين ومنع تسرب المعلومات، احتجز العديد منهم في أقسام العزل بسجن شيبان، قبل أن يُنقلوا لاحقًا إلى أجنحة مكتظة. وتشير تقارير “منظمة كارون” إلى أن عدد السجناء في الجناح الخامس تجاوز 110، ما يعكس تدهورًا حادًا في أوضاع السجون وتفاقم ظروف الاحتجاز غير الإنسانية. - تشريع القمع وتقنين الاستبداد
بعد الحرب، أقر البرلمان الإيراني قوانين أكثر قمعًا، مثل “تشديد عقوبة التجسس” ومشروع “مكافحة الأخبار الكاذبة”، التي تهدف إلى تقييد حرية التعبير وملاحقة الناشطين، لا سيما في إقليم عربستان. - تركيز القمع على مناطق الشعوب غير الفارسية
رغم امتداد حملة الاعتقالات إلى مختلف أنحاء البلاد، إلا أن شدتها في الأهواز تشير إلى قلق النظام العميق من احتمال اندلاع حركات احتجاج واسعة في المناطق التي تشهد تهميشًا تاريخيًا، لا سيما في المناطق ذات الغالبية العربية. - الإعدامات كأداة للترهيب
في إطار سياسة الترهيب، صدرت أحكام إعدام بحق عدد من المعتقلين، من بينهم مسعود جامعي، علیرضا مرداسي، وفرشاد اعتماديفر، على يد القاضي “أدیبي مهر”، المعروف بإصداره أحكامًا مشابهة بحق نشطاء عرب. وهذه الأحكام، الصادرة دون محاكمات عادلة، تُستخدم لقمع المعارضة وترويع المجتمع. - استهداف النشطاء الثقافيين والمدنيين
لا تقتصر الاعتقالات على النشطاء السياسيين، بل تشمل مثقفين وفاعلين في المجتمع المدني. ويهدف هذا النهج إلى خلق مناخ من الخوف والرقابة الذاتية، ومنع أي نشاط ثقافي أو اجتماعي مستقل. - إدانة دولية متزايدة
أعربت “ماي ساتو”، المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في إيران، عن بالغ قلقها إزاء إصدار أحكام الإعدام بحق المعتقلين السياسيين، وطالبت بوقف هذه الإجراءات فورًا. كما نددت بانتزاع الاعترافات تحت التعذيب، مؤكدة على ضرورة احترام المعايير الدولية لحقوق الإنسان.

